الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

437

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وأطلق العنان للسانه في توبيخها وملامتها ، وقالوا : إن من المؤسف هذا الانحدار مع ذلك الماضي المضئ ، ومع الأسف على تلوث سمعه تلك الأسرة الطاهرة قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ( 1 ) . والبعض الآخر واجهها ، بالقول : يا أخت هارون ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا فمع وجود مثل هذا الأب والأم الطاهرين ، ما هذا الوضع الذي نراك عليه ؟ فأي سوء رأيت في سلوك الأب وخلق الأم حتى تحيدي عن هذا الطريق ؟ قولهم لمريم : يا أخت هارون وقع مثار الاختلاف بين المفسرين ، لكن يبدو أن الأصح هو أن هارون رجل طاهر صالح إلى الدرجة التي يضرب به المثل بين بني إسرائيل ، فإذا أرادوا أن يصفوا شخصا بالطهارة والنزاهة ، كانوا يقولون : إنه أخو أو أخت هارون ، وقد نقل العلامة الطبرسي في مجمع البيان هذا المعنى في حديث قصير عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 2 ) . وفي حديث آخر ورد كتاب سعد السعود ، عن المغيرة ، أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعثه إلى نجران لدعوتهم إلى الإسلام فقالوا ( معترضين على القرآن ) : ألستم تقرؤون يا أخت هارون وبينهما كذا وكذا " ( حيث تصوروا أن المراد هو هارون أخو موسى ) فلما لم يستطع المغيرة جوابهم ذكر ذلك للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : " ألا قلت لهم : إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين منهم " ( 3 ) أي ينسبون الاشخاص الصالحين منهم إلى الأنبياء . في هذه الساعة ، سكتت مريم بأمر الله ، والعمل الوحيد الذي قامت به ، هو أنها أشارت إلى وليدها فأشارت إليه . إلا أن هذا العمل جعل هؤلاء يتعجبون

--> 1 - " فريا " بناء على قول الراغب في المفردات - جاءت بمعنى العظيم أو العجيب ، وفي الأصل من مادة فري ، أي قص وقطع الجلد إما لإصلاحه أو إفساده . 2 - نور الثقلين ، الجزء 3 ، ص 333 . 3 - المصدر السابق .